الشيخ محمد زاهد الكوثري
81
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
الكتب التي تتبيّن بها مواطن الاتفاق والاختلاف في المسائل بين الصحابة والتابعين وتابعيهم رضي اللّه عنهم . وقد دلّ الدليل على أنّ هذه الأمّة محفوظة من الخطأ ، وأنّهم عدول شهداء على الناس ، وأنهم خير أمّة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، وأنّ من تابعهم تابع سبيل من أناب ، ومن خالفهم سلك سبيل غير المؤمنين ، وناهض علماء الدين . ولا أدري من أين أتت هذه الفوضى في التفكير ، ومن أين تسرّبت هذه السّموم الفاتكة إلى أذهان بعض المتفيهقين في هذا العصر ؟ . . . فإذا ذكر أهل العلم الإجماع ، فإنما يريدون به إجماع من بلغوا رتبة الاجتهاد من بين العلماء ، باعترافهم ، مع ورع يحجزهم عن محارم اللّه ، ليمكن بقاؤهم بين الشهداء على الناس . فمن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد باعتراف العلماء له بذلك ، فهو خارج من أن يعتدّ بكلامه في الإجماع ، ولو كان من الصالحين الورعين ، وكذلك من ثبت فسقه أو خروجه على معتقد أهل السنة ، لا يتصوّر أن يعتدّ بكلامه في الإجماع ، لسقوطه من مرتبة الشهداء على الناس . على أنّ المبتدع كالخوارج وغيرهم لا يعتدّون بروايات ثقات أهل السنة في جميع الطبقات ، فكيف يتصوّر أن يوحد فيهم من العلم بالآثار ما يؤهّلهم لدرجة الاجتهاد . ثم أقلّ ما يجب على المجتهد المستجمع لشروط الاجتهاد ، باعتراف العلماء : أن يدلي بحجّته ، ويصارح الجمهور بما يراه حقا تعليما وتدوينا ، إذا رأى أهل العلم على خطأ في مسألة من المسائل ، حسب ما يراه هو ، لا أن ينقبع في داره ، أو ينزوي في رأس جبل بعيد عن أمصار المسلمين ، ساكتا عن بيان الحق ، والساكت عن الحق شيطان أخرس ، ناكثا عهد اللّه وميثاقه في تبيين الحق ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، فبمجرّد ذلك يلتحق بالفاسقين الساقطين عن مرتبة قبول الشهادة ، فضلا عن مرتبة الاجتهاد . ومن المحال في جاري العادة بين هذه الأمّة ، نظرا إلى نشاط علماء المسلمين في جميع الطبقات لتدوين أحوال من له شأن في العلم ، وتسابقهم في كتابة العلوم وتسجيلها ، وإفشاء ما يلزم الجمهور علمه في أمر دينهم ودنياهم امتثالا منهم لأمر